سلمى الشاط وجواد أشبلو - هيت راديو
لقراءة المقال باللغة الأمازيغية، المرجو الضغط على "التعاونيات الفلاحية والزلزال.. ماذا بعد أشهر من الفاجعة؟"
في ليلة الثامن من شتنبر 2023، اهتزت الأرض تحت أقدام الملايين من المغاربة الذين انتفضوا فزعين من أماكنهم خوفا على أرواحهم. لكن عند ظهور أولى خيوط الصباح، سنكتشف جميعا أن أرواح الكثيرين منا ارتقت إلى السماء، ولم يمهلهم القدر فرصة للنجاة.
في هذه الليلة سيتغير الكثير في المغرب.. سيصل عدد قتلى "زلزال الحوز" إلى 2960 شخصا مع آلاف الجرحى، وسيتم الإعلان عن 169 جماعة قروية في أقاليم الحوز، وشيشاوة وأزيلال وورزازات وتارودانت، وعمالة مراكش، كمناطق منكوبة.
واليوم، بعد مرور أزيد من خمسة أشهر على وقوع الكارثة في هذه المناطق التي تعيش أساسا على السياحة والفلاحة، كيف صارت أحوال التعاونيات الفلاحية المتضررة وأسر العشرات من العاملين فيها؟
العودة إلى نقطة الصفر..
في صباح يوم السبت، سيهرع علي آيت محند لتفقد وحدة تثمين اللوز والجوز والزيوت الأساسية لتعاونية "إدرارن"، في مركز جماعة آسني بإقليم الحوز. هذه التعاونية الفلاحية تأسست سنة 2013، وتشغّل 27 عاملا بالإضافة إلى عدد من العاملات الموسميات خلال موسم جني المحاصيل.

يقول آيت محند، نائب رئيس التعاونية: "هذا المشهد أعادنا جميعا إلى نقطة الصفر، تضرّر المقر وذهب معه مورد رزقنا الوحيد. ضاع كل شيء تحت الركام."
فقدت تعاونية "إدرارن" كل شيء في ذلك اليوم، تعرضت الكثير من أدوات العمل إلى التلف، وتحطمت البضاعة ووسائل التغليف والعبوات. حتى محاصيل الجوز واللوز تضررت كلها بسبب الزلزال، ولم يتبقى منها سوى 10 في المائة، لم يستطع العاملون جنيها بسبب خطورة الوضع.

بعد أيام من الفاجعة، ستقوم لجان من وزارة الفلاحة ومن وكالة التنمية الفلاحية بزيارة المناطق المتضررة للاطلاع على حجم الضرر، وإعطاء الانطلاقة الفعلية للبرنامج الاستعجالي الفلاحي يوم 24 أكتوبر الماضي للتخفيف من آثار الزلزال.
ووفق البرنامج المتعلق بالبنية التحتية الفلاحية، تقرّر إصلاح وتهيئة 92 وحدة لتثمين المنتوجات الفلاحية ومقرات التعاونيات الفلاحية المتضررة، التي كلّفت 415 مليون درهم. تعاونية "إدرارن" كانت من بين الوحدات التي استفادت من هذا الدعم، حيث تمّت إزالة الأنقاض في أفق إعادة بناء المقر من جديد واستئناف العمل في أقرب الآجال.

يقول آيت محند إنه لا يزال على تواصل مستمر مع المديريات الاقليمية والجهوية للفلاحة من أجل إعادة بناء الوحدة من جديد، "زارتنا لجان من مكتب الدراسات، وأخرى تولت مساعدتنا في جمع الوثائق اللازمة لهذا الملف والاستفادة من الدعم".
وفيما لا يزال علي و27 عاملا آخر ينتظرون اتصالا يبشرهم بموعد انطلاق أشغال البناء من جديد، اضطر العديد من هؤلاء للبحث عن فرص عمل جديدة لكسب قوتهم، في ميادين أخرى كالفلاحة والبناء وغيرهم.
الزعفران يزهر من جديد في تارودانت
في منطقة تاليوين بإقليم تارودانت، استعادت التعاونية النسوية الفلاحية "سكينة" نشاطها بشكل طبيعي في إنتاج وتسويق وتثمين الزعفران بعد مرور 5 أشهر على الزلزال. تضرر مقر التعاونية بشكل جزئي، ودُمّرت منازل العديد من المنخرطات اللائي وجدن أنفسهن دون مأوى.
"بعد حدوث الزلزال، توقّف عملنا بشكل كامل قبل أن نتمكن من استرجاعه شيئا فشيئا"، تقول رئيسة التعاونية، ربيعة مرزوق، إن التعاونية تساهم في تمكين 93 سيدة من المنطقة من خلال توفير دخل مادي قار لهن، فهنّ يتولين مهمة تثمين الزعفران من الإنتاج إلى التعليب.
مكّنت الإجراءات التي اتخذتها وكالة التنمية الفلاحية من تخفيف وطأة الضرر الذي لحق بالتعاونية ونسائها، خاصة أنها كانت من بين التعاونيات المدرجة على مستوى الأسواق التجارية الكبرى والمتوسطة. تقول مرزوق إن ADA تولت مهمة التنسيق مع هذه المتاجر للحصول على مستحقاتهن المادية في أسرع وقت، كما توصلن بـ"طلبية استثنائية مدفوعة" لضمان دخل أكبر في تلك الظرفية الدقيقة.
عملت وكالة التنمية الفلاحية على تفعيل مجموعة من التدابير لمواكبة وإعادة اشتغال التعاونيات حسب درجة الضرر المسجل، من بينها إطلاق حملات ترويجية على مستوى علامات البيع في المتاجر الكبرى، بهدف حث المستهلكين على شراء منتجات تضامنية ومساعدة الفلاحين الصغار، وذلك على مستوى 30 متجرا من المتاجر الكبرى بين شتنبر وأكتوبر الماضيين.
وحسب الوكالة، تقوم الحملات الترويجية الميدانية في المتاجر الكبرى على تعبئة منشطين تجاريين بشكل متواصل خلال الفترة المذكورة، مع نصب لافتات توعوية داخل هذه المتاجر حول الاستهلاك التضامني، بالاضافة إلى توزيع منشورات بعين المكان لتحسيس الزبناء بأهمية شراء المنتجات المحلية وانعكاسها على الفلاحين الصغار المتضررين.

تقول رئيسة تعاونية "سكينة" إن وكالة التنمية الفلاحية تواصلت معهم غداة الزلزال للاطمئنان على سلامة العاملات، ثم باشرت إجراءات الدعم، وأضافت "دعينا للمشاركة في المعرض الدولي للتمور بمدينة أرفود، أياما قليلة من وقوع الفاجعة من أجل عرض منتوجاتنا والانفتاح على أسواق جديدة".
توضح مرزوق أن التعاونية استفادت أيضا من دعم وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، في إصلاح المقر الذي تضرر جزئيا من الزلزال، وبفضله تمت إعادة دفع عجلة نشاطه من جديد وفي وقت أسرع.
أمل وعمل بعد ألم
في أساكي بإقليم تارودانت، اختار مسيّرو تعاونية "ديجا" المتخصصة في تثمين الثوم أن يواجهوا المأساة على طريقتهم، وبحثوا عن فضاء آمن مؤقت لاستئناف العمل.
يقول رئيس التعاونية محمد بن عمر إن الحياة توقفت داخل الوحدة السابقة، تشققت الجدران وأتى الزلزال على جميع المعدات والسلع المخزنة. "لم نرغب في الاستسلام أو نترك للزلزال فرصة لهدم ما أفنينا فيه سنوات من حياتنا".

قررّ بن عمر أن يستأنف نشاط التعاونية في فضاء آخر وبمعدات بسيطة ريثما يتمّ ترميم مقر وحدة الإنتاج الأصلية، "كانت تنتظرنا طلبيات كثيرة، وأسر عديدة توقّف مدخولها بدون سابق إنذار".
يوضح رئيس التعاونية أن لجانا تابعة لوزارة الفلاحة تواصلت معهم بعد شهرين من وقوع الزلزال، وأضاف "استفدنا من الدعم المخصص لإعادة بناء المقر، لقد اقتربت الأشغال من نهايتها، لم يتبقى الكثير أمامنا قبل أن نعود لمكاننا الأصلي".
هبّة تضامنية دولية..
إذا كانت هناك تعاونيات عديدة استفادت بالفعل من الدعم الحكومي، فالتعاونية النسائية "تامونت نتوريت" بدوار توريت التابع لجماعة مزوضة، بإقليم شيشاوة، حظيت بدعم الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية التي التزمت بتقديم مساعدة إنسانية للمناطق المتضررة من زلزال الحوز.
منذ اليوم الأول من الفاجعة، أظهرت العديد من الدول والمنظمات العالمية تضامنها الواسع ورغبتها في تقديم المساعدة للمغرب في جهودها لإعادة إعمار المناطق المنكوبة ومواجهة تداعيات الزلزال. وكعدد من الدول والحكومات، أعلنت الولايات المتحدة، من خلال وكالة "USAID”تقديم 12.6 مليون دولار لدعم جهود التعافي، منها ما خصص لدعم التعاونيات الفلاحية المتضررة في المنطقة.

تستحضر منوش أوكادي، رئيسة تعاونية "تامونت نتوريت" المتخصصة في إنتاج الكسكس الطبيعي منذ 2021، بحسرة، مشهد الوحدة غداة يوم الزلزال، وحجم الأضرار التي لحقت بالجدران والسقف. بعد أسابيع قليلة، ستجد منوش نفسها مضطرة للعودة إلى العمل تحت جدران متصدعة رفقة بقية المنخرطات، في ظل غياب أي مورد رزق آخر لهن.
توضح رئيسة التعاونية أنهن لا زلن يشتغلن في المقر المتضرر لحدّ الآن في انتظار توفّر موارد إضافية لإصلاحه، أما الدعم المالي الذي قُدّم لهنّ من طرف الوكالة الأمريكية المذكورة والمقدّر بـ90 ألف درهم، فقد خُصّص لاقتناء معدّات جديدة، فضلا عن شراء المواد الأولية الأساسية وتغطية مصاريف شهر ونصف من التوقف الكلي عن العمل.

في دائرة أمزميز بإقليم الحوز، كان وقع الزلزال أشدّ قسوة على التعاونية الفلاحية "جودة الأمان". انهار المقر بالكامل وتعرضت جميع معدات العمل إلى التلف، كما دُمّرت منازل العديد من أعضاء التعاونية، الذين وجدوا أنفسهم دون دخل أو مأوى.

يقول الممثل القانوني للتعاونية عبد الحكيم ايگورامن، "توصلنا بمساعدات مالية من الوكالة الأمريكية للتنمية بغرض اقتناء وسائل عمل جديدة، كما تواصلت معنا وكالة التعاون الإيطالي التي لا زالت تتابع ملفنا لتحديد نوعية الدعم الذي سنستفيد منه".
وعلى غرار "تامونت نتوريت"، اضطر مسيّرو "جودة الأمان" للعودة إلى العمل وبناء جزء من المقر الجديد للتعاونية المتخصصة في تثمين الكسكس بأنواعه، اعتمادا على الموارد المالية الخاصة لأعضائها، لارتباطهم بطلبيات عديدة تأخرت عن موعدها، وفي ظل حاجتهم جميعا لمصدر دخل.

سلمى الشاط وجواد أشبلو // Salma Chatt et Jawad Achablou




